رسالة الجمعة للعلامة الخطيب

وجه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب رسالة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو اهله وكما يستحقه والصلاة والسلام على سيد انبيائه ورسله المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين واصحابه الذين اتبعوه بإحسان الى يوم الدين. ونبارك للمؤمنين ولادة الامام الحسن المجتبى سبط رسول الله (ص) واحد سيدي شباب اهل الجنة في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك الذي زاد بركة هذا الشهر وشرفه شرفاً وبركةً بما تميز به من مواصفات واختص به من مميزات وقام به من ادوار نقتصر على ذكر بعضها، فهو الذي بشر بولادته رسول الله (ص) الذي انتظر فيه تسمية الله تعالى وقال لما سأله جبرائيل (ع) الذي هبط على رسول الله عند ولادة الامام الحسن (ع) هل سميته يا رسول الله؟ فقال(ص) : ما كنت لأسبق الله تعالى باسمه فقال جبرائيل (ع): ان العلي الاعلى يقرؤك السلام ويقول لك سمه الحسن، واهم الادوار التي قام(ع) بها مواجهة فتنة بني امية وفضحه لهم ولخطرهم على الاسلام .

ومن بركات هذا الشهر العظيم الحدث المصيري الذي كان له الاثر الكبير على الاسلام وما اسس له من انتصارات وما اعطاه من معنويات ودروس رسالية ومن مصداقية عملية للوعد الالهي ونحن اذ نستعيد اليوم هذه المناسبات ليس من باب التسلية او من باب التفاخر بالماضي والعيش على الذكريات ، وانما لنبني عليها ونعيد حساباتنا ونعي ان الايمان والاسلام والارتباط بالله تعالى هو الاساس الذي يجب ان نبني عليه مواقفنا اذا ما اردنا ان نبني حياتنا على اسس متينة ومستقرة وعزيزة وكريمة في الدنيا والآخرة وان يكون لنا دوراً هادفاً يتخطى هذه الحياة المحدودة فالمؤمن لا يعيش هذه السنوات المحدودة للحياة فهي لا تمثل له سوى مساحة ضيقة لا تتسع لطموحاته اللامحدودة الآفاق ولا تشبع رغباته السامية لذاتها التي لا يرى فيها الا دنواً وتسافلاً عن الهدف الذي خلق من اجله،. فهو خلق ليرتقي القمم العالية للقيم الالهية السامية ولدار أخرى، قال تعالى عنها ( وإنَّ الدار الآخرة لهي دار الحيوان لو كانوا يعلمون ). و من هذا المنطلق نستعيد هذه الاحداث لأنها ليست منسلخةً عن هذه المبادئ ولا يمكن قراءتها من منظور آخر.

ونحن حينما ندعو الله تعالى ان يتقبل صيامنا لا يمكن لنا وبهذه الخلفية الا ان نقرنه بالدعاء والسؤال من الله تعالى ان يتقبل صوم الصائمين وان يتم علينا وعلى المسلمين واللبنانيين هذا الشهر المبارك بالأمن والامان والفرج القريب بالخروج من هذه الاوضاع الصعبة التي يعاني فيها اللبنانيون على كل الصعد الاقتصادية والنقدية والغلاء الفاحش والاستغلال الذي يمارسه تجار الازمات من احتكار السلع الضرورية والاستفادة من السلع المدعومة وحرمان المستحقين منها وفقدان الضروريات من الاسواق في كثير من الأحيان، وارتفاع الاسعار يعجز المواطن معه من الحصول عليها ومع كل ذلك، فلا مسؤول ولا رقيب ولا حسيب، فالمواطنون متروكون لقدرهم وعليهم ان يدبروا امورهم بأنفسهم يجوعون ويهانون او ينتظرون من يتصدق عليهم بكرتونة الإعاشة او يمد لهم يد المعونة بما يسد رمقهم ويبعد عنهم شبح الموت جوعاً، فهل يستحق هؤلاء الكرام هذه المعاناة وهذا السحق لكراماتهم وهذا الاذلال لهاماتهم المرفوعة ابداً، فتباً لأولئك الذين اوصلوا الامور الى هذه الحالة المزرية لبلدهم والذين استغلوا مواقعهم من اجل الاستحواذ على مدخرات الناس ونهب المال العام واهمال أمور الدولة، ولم يكن همهم سوى منافعهم الخاصة.

لقد سردنا حتى الان هموم وشجون المواطنين وتحدثنا عن الذين سببوا هذه الكارثة، ولكن المهم الان هو البحث عن الحلول وعن كيفية الخروج من هذا الواقع الى بر الامان وحتى هذا اقفلوا الطريق اليه فما زال من بيدهم الحل يعيشون في غربة عن التفكير بمصير الوطن وبمعاناة الناس لأن مصالحهم الشخصية كما يبدو هي الاهم ولأن انانياتهم اعمت بصائرهم عن رؤية الواقع الذي اوصلوا اليه البلد وعن الاحساس بالمسؤولية والتفكير بالحلول او القبول بالاقتراحات التي تشكل المدخل لبداية الولوج الى حل ما، واذا كان هناك من يمارس الضغوط ويقف عائقاً او مانعاً من التوافق بين المسؤولين، فنحن ندعوهم الى مصارحة المواطنين وان يقولوا ذلك لهم بوضوح حتى يتحملوا معهم مسؤولية الموقف ويكونوا الى جانبهم ، فليس مقبولاً ولا مفهوماً على الاطلاق تقاذف المسؤوليات واتهامات التعطيل وانسداد افق الحل طوال هذه المدة وعدم وجود اي منفذ يمكن الوصول عبره الى حل او تسوية، وابقاء الامور على حالها فهو انتحار جماعي ولينتظر الجميع مزيداً من الفلتان الأمني والفوضى ولن يكون المعطلون بمنأى عن تداعياتها ولينتظروا من سيأتيهم الى قصورهم التي لن تقوى على حمايتهم ودفع الاخطار عنهم.

اننا في شهر رمضان شهر المغفرة والتوبة شهر العتق من النار والفوز بالجنة، ندعو الى اقتناص هذه الفرصة والعودة عن الاستمرار في ارتكاب هذه الجريمة بحق الشعب اللبناني وبحق لبنان وتشويه سمعته وانجازاته وقدراته وطاقاته التي اكتسب بها احترام شعوب العالم اجمع حتى من اعدائه ، والعمل سريعاً على ايجاد الحل الذي يعيد لهذا الشعب امنه وامانه واستقراره واحترامه الذي خدشته التصرفات اللامسؤولة للبعض قبل فوات الامان وعدم الرهان على التحولات الإقليمية والتسويات الدولية علَّه يستفيد منها في صراعه الداخلي على الفريق المنافس، فإن هذا لن يبني وطناً وبدلاً من ذلك على المراهنين ان يبادروا الى القيام بالتفاهم مع الشركاء في الوطن على بناء دولة المواطنة ودولة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات، والتخلي عن روح الاستعلاء والتمايز التي لا تنسجم مع الدعوة الى الحياد فيما هي استقواء بالقوى الخارجية حينما تستدعى الامم لفرضه على اللبنانيين مع عدم التفاهم مع سائر المرجعيات اللبنانية الاخرى واعتبارها تابعة لها او غير موجودة . هذا الحياد المدعى الذي غاب عن خطاباتهم عندما كان العدو الاسرائيلي يحتل عاصمة لبنان والقسم الاعظم من ارضه وكان قسماً كبيراً من شعبه مشرداً ونازحاً عنه بسبب الاحتلال، انه لا يمكن لاحد ان يتفرد بالقرار وان يفرض موقفه على الاخرين، ولا مناص من التفاهم القائم على اسس وطنية مع الحفاظ على الخصوصيات للطوائف اللبنانية التي لا تتنافى مع الوطنية كما يدعى تهرباً من الاستجابة للحل الوطني المستدام الذي يبني دولةً حقيقية لا يتعرض معها البلد كل عقد من الزمن الى دورة جديدة من الحروب تأكل حشاشات اللبنانيين.

الم ييأس الذين يحلمون بإيجاد اسرائيل اخرى بعد كل ما رأوه من هزائم للمشروع الصهيوني وتعرضه للخطر الوجودي باعتراف قادته، وبعد فشل اقسى الحروب لضرب المقاومة وتقسيم المنطقة ، فليعد هؤلاء الى رشدهم وحضن بيئتهم الحريصة عليهم وعلى وجودهم وليتخلوا عن مشاريعهم المجنونة التي لن تجلب لهم ولوطنهم الا المزيد من الدمار والخراب.

و هنأ سماحته العمال ولا سيما عمال لبنان في عيدهم الذي يحمل هذا العام معاني الحزن والألم والمعاناة لما وصلت إليه حالهم من انعدام فرص العمل وتفشي البطالة وتدني قيمة الرواتب واقفال آلاف المؤسسات، متمنيا ان يحل العيد القادم وقد تخلص لبنان من ازماته وتحسنت أوضاعه الاقتصادية وظروف بنيه المعيشية.

ودعا سماحته العرب والمسلمين الى أوسع حملة تضامن مع الشعب الفلسطيني المنتفض دفاعا عن مقدساته وأرضه وكرامته حيث يستمد المقدسيون التحدي من بدر الكبرى، ليواجهوا بلحمهم العاري وقبضاتهم العالية جبروت الاحتلال المدجج بأحدث الأسلحة في مشهد بطولي ينبغي أن تتفاعل معه كل الشعوب والدول نصرة للقدس ودعما لشعبها، ونحن اذ نبارك للشعب الفلسطيني انتفاضته وهبته المجيدة فإننا نناشد الفلسطينيين بأن يتمسكوا بحقوقهم المشروعة في أرضهم ويعتصموا بالله تعالى وبوحدتهم ومقاومتهم فيشكلوا غرفة عمليات مشتركة تضم كل الفصائل والقوى الفلسطينية في مواجهة العدوان الصهيوني.

وتوجه سماحته باحر التعازي واسمى معاني المواساة من المرجعية الدينية في النجف الأشرف و الشعب العراقي الشقيق والشريف بضحايا حريق مستشفى ابن الخطيب الذين نسأل الباري عز وجل ان يتغمدهم بواسع رحمته ويلهم ذويهم الصبر والسلوان وان يمن على الجرحى بالشفاء العاجل.

ونحن اذ نعرب عن بالغ حزننا ومواساتنا بهذا المصاب الجلل، فإننا نتوجه بالشكر من حكومة العراق على مبادرتها الطيبة بدعم الجيش اللبناني بعد مبادرات اخوية تكشف عن مكانة لبنان في قلوب اخواننا العراقيين الذين يعبرون عن اصالة عربية واسلامية ومحبة صادقة تجاه أهلهم واخوانهم اللبنانيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *